اعلان

“ينهال عليه بالحزام ضرباً شديداً .. كان الحزام يأكل جلده .. ويلتهم جسده دون رحمة ولا شفقة .. أما هو فاكتفى بدموع كانت تنهمر حارة على خديه .. كان يخشى أن يصرخ لأنه كان يدرك أن صراخه سيزيد جنون الضربات وهيجانها .. وستصبح أهدافها حينها أكثر عشوائية .. فهي الآن لا تميز بين وجهه ويديه .. بين صدره ورجليه .. كان يتلوى تحت لسعات حزام استحال سوطاً قاسية لا ترحم بيد جلاد لم يعرف في قاموس حياته لفظاً اسمه الرحمة أو ما يدانيها .. كان يكيل له من الشتائم أقذعها وأفظعها .. ويعلو صوته ليسعر ضرباته أكثر فأكثر .. حتى تعب ولم تعد يداه تقويان على حمل سوطه .. أو تسديد الضربات التي تشفي غليله”.
“توقفه هذا منح الصغير فرصة للتواري والهرب إلى الحمام ليكمل بكاءه الحارق بمرارة .. ويغسل جسده كمن يزيل آثار الضربات والجروح التي صارت بقعاً وتفسخات استعصت على الإزالة .. صراخه جعل الأم تدرك ما حدث تماماً رغم أنها عادت لتوها إلى المنزل .. فسارعت إلى الغرفة حيث كان .. نظرت إليه فقرأت في عينيه المحمرتين غضباً مستعراً”.
ـ هل ضربته ثانية؟؟
ـ وسأقتله إن لم أستطع تربيته من جديد.
“سارعت إلى الحمام حيث سمعت صوت الماء .. طرقت طرقات خفيفة ونادته بصوت منخفض ليفتح لها .. وأخذت تتفحص جلد جسده المتفطر فغلبتها دموعها وضمته إلى صدرها بحرارة”:
ـ ما الذي حدث؟؟ ماذا فعلت؟؟
“كان مختنقاً ببكائه فلم يستطع أن يجيبها”
“عادت إلى الغرفة حيث كان ما يزال يرعد ويزبد ويهدد”:
ـ لماذا ضربته؟؟ ماذا فعل؟؟
ـ تأخر .. نصف ساعة كاملة .. رغم كل تحذيراتي وتنبيهاتي.

ـ أي تأخير؟ أمن أجل نصف ساعة تضربه بهذه الصورة؟؟

ـ وأقتله أيضاً .. هكذا ربانا والدي وصنع منا رجالاً .. ليس كمثل العصا مدرساً ومربياً.

ـ اتق الله إنه فتى صغير .. ثم أي تأخير واليوم يوم تدريبه الرياضي ؟؟ هل نسيت أنه يعود دائماً  في هذا اليوم من كل أسبوع متأخراً نصف ساعة عن موعده المعتاد بسبب الحصة الرياضية؟؟

“يصمت لبرهة قصيرة .. ثم يقف بهدوء ويغادر الغرفة”

ـ إلى أين؟؟

ـ أريد أن أنام وأرتاح قليلاً

ويؤثرون على أنفسهم
أوقف سيارته الفارهة المرفهة .. على جانب الطريق .. ولكنه ما كاد ينزل منها حتى سارعت تلك الصغيرة إلى شباك السيارة.

كان مظهرها فقيراً للغاية .. وملامحها تحمل صوراً كثيرة للجوع والحاجة .. لم تنه بعد عامها العاشر .. ولكن اصفرار وجهها وهزالها لم يتركا من سنواتها القليلة إلا عددها.

فقر مظهرها جعله ينفر حتى من النظر إليها .. ولم تفلح دموعها وتوسلاتها له أن يساعدها ويعطيها مما أعطاه الله في جعل عينه ترف حتى في اتجاهها بعد النظرة الأولى.

ـ اشترِ يا سيدي هذه المناديل الورقية .. إنها جيدة لسيارتك الجميلة.

ـ “أشار إليها أن تذهب”

ـ اشتر مني يا سيدي علّي “أستفتح” منك بالخير .. اشترِ اثنتين وسأخفض السعر لك.

“ابتسم في وجه مرافقته الصغيرة .. وقال بهدوء”:
ـ وعروض أيضاً؟؟!! .. تاجرة شاطرة .. “ملتفتاً لها”: اذهبي .. لا أرغب بشيء من متسولة مثلك.
ـ لست متسولة يا سيدي .. أنا أعمل ولا أتسول .. أمي تعذبت معي ومع أخوتي كثيراً لتربيتنا .. هي الآن قعيدة الفراش والطبيب قال إنها يجب أن تأخذ الدواء بانتظام .. أنا أسعى من أجلها .. أرجوك يا سيدي.
ي
ـ “لم تستطع تمالك نفسها .. ووقفت أمام شباكه باكية بحرقة” .. يا سيدي علبة مناديل واحدة .. ستكون عوناً لي .. من أجل أمي المريضة .. أرجوك.
ـ اووووه .. “يلقي إليها بقطعة نقدية صغيرة”:  هل أنت مسرورة الآن؟؟
“نظرت إلى القطعة المعدنية بحرقة كبيرة .. وحملتها وابتعدت عن الشباك .. أما هو فغادر السيارة بعد أن فتح لطفلته الصغيرة الباب بهدوء” :
ـ تفضلي حبيبتي .
ـ شكراً بابا .. ومع لطفك الكبير هذا سأخاصمك.
ـ لماذا حبيبتي؟؟
ـ أنسيت اللعبة التي شاهدت إعلانها على “الدش” ووعدتني أنك سترسل لشرائها من بلد تصنيعها؟؟ أين هي؟؟
ـ معك حق … أعدك يا حبيبتي أنه لن يمر اليومان القادمان إلا واللعبة بحوزتك!!.
“ابتسمت وترجلت هي الأخرى ممسكة يده .. ولكن فضولها لرؤية وجه تلك الفتاة دفعها إلى الوقوف والنظر إلى الخلف .. سار وقد شدها من يدها إلى جانبه .. وقوفها ونظرها إلى الوراء أزعجه”.
ـ أسرعي يا حبيبتي .. لا أريد التأخر أكثر .. لا تنظري خلفك  .. تعجلي حبيبتي سيبدأ الفيلم قريباً.

“سحبها بسرعة معه .. وهو يتمتم  لها”:
ـ لا تزعجي عينيك الجميلتين يا حبيبتي بالنظر إلى تلك المتشردة .. إنها جرثومة ستتسخ عيناك بالنظر إليها!!
حكم مؤبد
ـ ألن تنتهي مصيبتي معك .. ألن تنتهي؟؟ .. لا طعام ولا شراب بعد الآن يكفي هذا .. إنّها المرة الثّالثة التي آخذكَ فيها إلى الحمّام  .. لقد قرفتُ من كلّ شيء .. كرهتُ عمري وحياتي ووجودي .. يكفي .. لم أعد أطيقكَ ولا أطيق طلباتكَ التي لا تنتهي وحملكَ الثّقيل.

ماذا فعلت لربّي حتى ابتلاني بك؟؟ .. أي ذنب اقترفت حتى أستحق هذا الحكم المؤبد .. ألا تكفيني مصيبتي مع والدك الكسول العاطل عن العمل؟؟ .. لا سامحه الله ولا بارك له .. ابن الحرام عديم الرحمة .. لا يكتفي بمراقبتي على عذاباتي معك .. بل يلقي علي بالمواعظ والدروس عن الصبر والأجر والثواب.
متى ستموت ويريحني الله منك ومن همك؟؟ .. لماذا يتركك الله مصيبة وغصة في حلقي ويختار خيرة الشباب والأطفال؟؟ ألن “تنقبر” حتى تفنيني وتفني ما بقي من جسدي وروحي؟؟
أكره نفسي وأتمنى الموت اليوم قبل الغد .. لم يعد لحياتي قيمة ولا معني .. لم يعد لي شغل ولا شاغل سوى تنظيفك وترتيب أشيائك وإزالة قرفك وقذارتك .. لماذا خلقك الله وابتلاني بك؟؟ بماذا تختلف عني بقية النساء ممن يتنعمن بالذهب والبيوت والسيارات .. وحدي هنا معك ومع أوساخك .. أماتك الله وأراحني وأراحك.
“تنفجر بالبكاء وتردد تساؤلاتها عما اقترفت من ذنوب ومعاص حتى استحقت هذه (العقوبة) الكبيرة .. وعلى كرسيه المتحرك .. جلس هو وعيناه تسبحان في فضاء آخر عال .. يشير إليها بيدين مرتعشتين بحركة عشوائية وصوت مرتجف متقطع الكلمات والحروف”:

ـ مـاما .. ممماما .. أنا جوعان .. أأأنا جوعان

شارك مع الآخرين :
  • اطبع هذا المقال!
  • Digg
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • MSN Reporter
  • Twitthis
  • Live
  • Yahoo! Bookmarks


اخترنا لكم

 

موضيع متشابهه

أكتب تعليقا

إبحث
اعلان

اختر قسم من الاقسام
الأرشيف
اعلام الزوار
www.egyfarah.net
المتواجدون الان